الشنقيطي
139
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ومقتضى كلامه أن المراد بالعين في الآية البحر المحيط ، وهو ذو طين أسود . والعين تطلق في اللغة على ينبوع الماء . والينبوع : الماء الكثير . فاسم العين يصدق على البحر لغة . وكون من على شاطىء المحيط الغربي يرى الشمس في نظر عينه تسقط في البحر أمر معروف . وعلى هذا التفسير فلا إشكال في الآية ، والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ( 99 ) [ 98 - 99 ] . اعلم أولا - أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك : أنه إن كان لبعض الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود وقد بينه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فإنا نتمم بيانه بذكر السنة المبينة له . وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك . فإذا علمت ذلك فاعلم - أن هاتين الآيتين لهما بيان من كتاب أوضحته السنة ، فصار بضميمة السنة إلى القرآن بيانا وافيا بالمقصود ، واللّه جل وعلا قال في كتابه لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( 44 ) [ النحل : 44 ] فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة ، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أن السد الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله اللّه دكا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه . وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة ، لأنه قال هنا : فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ( 98 ) * وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ الآية . وأظهر الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين « يومئذ » من قوله * وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ أنه يوم إذ جاء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض . ولا ينبغي العدول عن هذا القول لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم . وإذا تقرر أن معنى « يومئذ » يوم إذ جاء الوعد بخروجهم وانتشارهم - فاعلم أن الضمير في قوله * وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ على القول بأنه لجميع بني آدم فالمراد يوم القيامة . وإذا فقد دلت الآية على اقترانه بالخروج إذا دك السد ، وقربه منه . وعلى القول بأن الضمير راجع إلى يأجوج ومأجوج . فقوله بعده وَنُفِخَ فِي الصُّورِ يدل في الجملة على أنه قريب منه . قال الزمخشري « 1 » في تفسير هذه الآية « قال هذا رحمة من ربي » هو إشارة إلى السد ؛ أي هذا السد نعمة من اللّه ورحمة على عباده . أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة ، وشارف أن يأتي جعل السد دكا ؛ أي مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض . وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك ؛ ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام . ا ه . وآية الأنبياء المشار إليها هي قوله تعالى : حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ( 96 ) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنبياء : 96 - 97 ] الآية ؛ لأن قوله : حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ واتباعه
--> ( 1 ) الكشاف 2 / 499 .